عن الذاكرة وثِقل الوجود
تركيب فني · 2025
شتوتغارت - المانيا

الذاكرة، في تجربتي، ليست قدرةً ذهنية، بل ثِقلٌ وقوّةٌ وشرطٌ من شروط الكينونة. تمكث في الجسد والعالم، تتراكم وتتكاثف، ولها جاذبيتها الخاصة. الماضي يضغط على الحاضر، والمستقبل يصل محمّلاً بأصداء ما كان. أعيش داخل تاريخٍ موسومٍ بالفقد والمنفى والاحتلال، وفي مثل هذا الواقع تتخذ الذاكرة سلوكاً مختلفاً؛ تتشظّى وتلتفّ على ذاتها، وتصون ما يتعذّر قوله، وتستدعي النسيان طريقاً إلى التذكّر.

أكثر ما يشدّني هو الصلة بين عالمين للذاكرة: ذاكرة المادّة وذاكرة الروح. ذاكرةٌ تسكن التراب والجلد والأشياء المكسورة، وأخرى تقيم في الأحلام والرؤى والإحساس بأصلٍ يُعاش ولا يُفسَّر. ليس بينهما تضادّ، بل مرايا متقابلة وحديثٌ متبادل، غير أنّ لكلٍّ منهما اتجاهاً مختلفاً: ذاكرة الجسد تشدّ نحو الأرض والغريزة والحزن، وذاكرة الروح تميل إلى الداخل وإلى العلوّ، نحو غير المرئي والعابر والأبدي. في التقليد الصوفي، الذاكرة ضربٌ من ذكرٍ إلهي، ذكرٌ للجوهر لا للأحداث؛ والتذكّر مسارُ عودةٍ إلى المنبع، فكرة أعود إليها على الدوام.

في عالمٍ تتكاثر فيه محاولات المحو السياسي والتاريخي والعاطفي، يبرز سؤال القدرة على البقاء: أيّ ذاكرةٍ تستطيع العيش؟ وكيف يُحمَل الماضي من غير أن يسحق حامله؟ في عملي أختار الإقامة داخل هذا التوتّر، أراقب كيف تنقسم الذاكرة لتحمي ذاتها، وكيف تلتفّ حول ما يستعصي على اللغة، وكيف تعبر عبر الظلال والشذرات والطقوس والصمت. أنجذب إلى الذاكرة المقيمة في الغبار والحجر والقماش، وفي إيماءات الجسد الخفيّة، وإلى تلك التي تظهر حين تتوقّف المطاردة، في لغة الأحلام غير المتوقّعة. النسيان أحياناً هو الهيئة التي تتّخذها الذاكرة كي تواصل العيش.

النسيان فعل اختيار، يحجب ويكشف، ويحرّر النصّ من فائضه ليصون جوهره. وبين جذب المادّة وجذب الروح، بين التذكّر والتناسي، تتشكّل الحياة، أو بالأحرى تستمرّ. هكذا أفهم الصلة بين الذاكرة والهوية: أرضاً متحوّلة لا أساساً ثابتاً، فضاء توتّرٍ دائم، يتخلّق فيه الوجود من الحوار المتواصل بين ما نحمله معنا وما يُطلب منّا أن نتركه خلفنا.