بين العين والتراب
تركيب فني · 2025

«بين العين والتراب» عمل تركيبي غامر يُدخل المتلقي إلى حجرة من المراقبة، حيث لا تعود الرؤية فعلاً بريئاً، بل آليةً من آليات السلطة. تتدفق على الجدران والحجارة والأسطح المرآتية متتاليات رقمية خوارزمية، لا نهائية وغير قابلة للقراءة؛ أرقام لا تسرد حكاية، بل تُصنِّف وتُحسِب وتستبق. وهي تُحاكي أنظمة الحوكمة الخوارزمية المعاصرة المتجذّرة في أنماط معرفية استعمارية: فالرسم على الخريطة امتلاك، والرصد هيمنة، وجعل المرئي مرئياً هو جعله قابلاً للإدارة. يعمل الفضاء هنا كهفاً معاصراً، لا تُعايَن فيه الحقيقة مباشرة، بل تُوسَّط عبر إسقاطات تُشكِّل الإدراك وتُخفي سلطتها في آن.

ضمن هذا الحيّز، تقوم الحجارة والمرايا في توتّر دائم. وجه مرآتي متشظٍّ يرفض الاكتمال ويُبدِّد أي صورة مستقرة للذات؛ فالهوية لا تظهر بوصفها جوهراً، بل سطحاً يتشكّل باستمرار تحت وطأة المراقبة الخارجية. في المقدّمة، حجارة كبيرة مغروسة بعيون مرآتية تُعيد النظرة وتقطع مسارها أحادي الاتجاه. وفي المركز، تتجمّع حجارة أصغر في صمت، تحمل بدورها عيوناً مرآتية — استدعاء غير مباشر للحجر بوصفه فعلاً لا موضوعاً. تستحضر هذه الإيماءة انتفاضة الحجارة الفلسطينية، لا كتمثيل تاريخي بل كاستعارة حيّة: حجرٌ يُعاد توجيهه نحو آلة المراقبة ذاتها. فما يُقذَف هنا ليس القوّة وحدها، بل الانعكاس — محاولة لتفتيت النظرة التي تسعى إلى التثبيت والاستخلاص والسيطرة. بين العين والتراب، يفتح العمل حيّزاً تبقى فيه الذاكرة والأرض والمقاومة بلا حسم، مُصِرّاً على الغموض شرطاً للبقاء.