بين العين والتربة: بحث في انظمة المراقبة والاستعمار

الاستعمار الخوارزمي، الذاكرة، وفنّ الرفض

11/20/20201 دقيقة قراءة

نظرة عامة

تم تطوير هذا البحث خلال إقامتي الفنية في إيطاليا، في مؤسسة بيستوليتو (Fondazione Pistoletto)، حيث تتقاطع الأسئلة المتعلقة بالتكنولوجيا، والأخلاقيات، والمسؤولية مع الممارسة الفنية. يتناول البحث كيف تعمل أنظمة المراقبة الخوارزمية المعاصرة كامتداد لمنطق استعماري قديم—تعيد تشكيل الأرض، والأجساد، والذاكرة إلى بيانات قابلة للمراقبة، والتنبؤ، والسيطرة.

ينطلق البحث من واقع مدينة الخليل، باعتبارها مختبرًا لتطبيق تكنولوجيا مفروضة: الكاميرات، وقواعد البيانات، والأنظمة البيومترية، والبنى التحتية التنبؤية، التي تُجزئ المكان وتختزل الحضور البشري إلى مستوى الخطر القابل للقياس. هنا، لا تكتفي الخوارزمية بالمراقبة، بل تُدير وتُعيد رسم الحدود، وتنتج أشكالًا جديدة من المحو.

بدلاً من التعامل مع التكنولوجيا كنظام مجرد، يُقاربها هذا البحث كقوة مادية تعيد تشكيل كيفية حفظ الذاكرة، وكيفية اختبار الفضاء، وكيف يتعلّم الجسد الحركة، أو التردد، أو الاختفاء.

السياق وإطار البحث

تُعدّ الخليل من أكثر المدن الخاضعة للمراقبة المكثّفة في العالم. تتداخل فيها طبقات من الرقابة العسكرية والمدنية والخوارزمية، لتنتج جغرافيا تصبح فيها الرؤية نفسها أداة للهيمنة. فالكاميرات لا تُسجّل فحسب؛ بل تُصنّف. وقواعد البيانات لا تخزّن فقط؛ بل تحكم.

في هذا السياق، يستند البحث إلى مفهوم "الاستعمار الخوارزمي"—حيث ترث الأنظمة الرقمية ممارسات استعمارية سابقة من تصنيف، ورقمنة، ومراقبة. ما كان يُفرض عبر أرشيفات ورقية ونقاط تفتيش مادية، يُعاد إنتاجه اليوم عبر الشيفرات، واستخراج البيانات، والحُكم المؤتمت.

وقد وفّرت الإقامة في مؤسسة بيستوليتو مساحة لربط هذه الحالة المحلية بنقاش عالمي أوسع حول التكنولوجيا، والأخلاقيات، والمسؤولية الاجتماعية، دون أن يتم تسطيح الفوارق بين الخليل وأوروبا.

الذاكرة تحت أنظمة خوارزمية

ينشغل هذا البحث بشكل أساسي في فهم كيف تتصرف الذاكرة تحت المراقبة المستمرة. فعندما يُسجَّل كلّ تحرك، تصبح الذاكرة خارجة عن الجسد والمجتمع—مُفهرسة، ومملوكة من قِبل أنظمة مصمّمة لتدوم أكثر من الإنسان ذاته.

ويُنتج هذا الواقع انقسامًا مزدوجًا:

  • تآكل الذاكرة المعاشة والمتجسّدة

  • وظهور أرشيف آلي مفروض يتحدث عن الناس، دون أن يتحدث معهم

في مثل هذه الظروف، يصبح النسيان مفروضًا من جهة، واستراتيجية من جهة أخرى. تُمحى بعض التواريخ، بينما تُعاد الأخرى بتكرار لا نهائي عبر البيانات. تتحول الذاكرة من عملية حيّة إلى أصل خاضع للسيطرة.

المنهجية الفنية

يتكشّف البحث من خلال الكتابة، ورسم الخرائط، وتطوير عمل فني تركيبي. بدلاً من تقديم المراقبة بشكل مباشر، يركّز العمل على ما تخلّفه من آثار: التجزئة، التكرار، الغياب، والتوتر بين الظهور والرفض.

تُستخدم مواد مثل الحجر، والخيط، والخرائط، والأسطح العاكسة، لمواجهة لا-مادية الخوارزميات، والتأكيد على الثقل، والاحتكاك، والحضور. تعمل العملية الفنية هنا كنوع من "الحفر"—لقراءة أنظمة السيطرة ليس من واجهاتها، بل من أثرها على الأرض، وعلى الأجساد، وعلى الإدراك.

لا يسعى العمل إلى فضح المراقبة أو تمثيلها، بل إلى تعطيل منطقها: من خلال إبطائها، أو إزاحتها، أو إعادة تركيز الانتباه على ما لا يقبل القياس.

الرفض كممارسة

يقف في قلب هذا البحث مفهوم الرفض—ليس كانسحاب، بل كموقف فاعل. الرفض هنا يعني مقاومة أن تكون "مقروءًا" وفق شروط مفروضة، ورفض التحوّل إلى كيان قابل للقياس ضمن أنظمة تُقلّل الحياة إلى ملفات خطرة وأنماط سلوكية.

يصبح الفن مساحة للحفاظ على الغموض، حيث لا يمكن استخراج المعنى بالكامل، وحيث يُسمَح للذاكرة بأن تظل جزئية، ومُجزّأة، وحيّة. هذا الموقف يواجه توقعًا سائدًا بأن كل شيء يجب أن يكون موثقًا، ومحسّنًا، ومترجمًا إلى بيانات.

بحث مستمر

يبقى هذا البحث مفتوحًا وغير محسوم. يواصل تطوّره عبر الإنتاج الفني، والكتابة، والحوار بين السياقات. وقد تتخذ نتائجه شكل منشآت فنية، أو مقالات، أو محادثات عامة—لكن التزامه الأساسي يظل ثابتًا: مساءلة كيف تعيد التكنولوجيا تشكيل الذاكرة، والدفاع عن ممارسات تحفظ ما لا يُمكن، ولا يجب، رؤيته بالكامل.