خرز الخليل: ذاكرة الزجاج
بحث مفتوح في الذاكرة، والمادة، وتجارة الزجاج المنسية التي كانت تربط الخليل بالعالم.
نظرة عامة
يستكشف هذا البحث المفتوح صناعة خرز الزجاج المفقودة في الخليل—المدينة التي عُرفت يومًا بأفرانها المتوهّجة، حيث كان الرمل المنصهر يتحول إلى لون، وحماية، وتبادل. على مدى قرون، سافرت خرزات الخليل عبر الصحارى والبحار، متنقلةً عبر طرق تجارية ربطت فلسطين بإفريقيا وما بعدها. واليوم، لم يتبقَ سوى الشظايا: قطع زجاجية، حكايات، وآثار من نظام معرفي كان يومًا يُشكّل مجتمعًا كاملاً من الحرفيين.
يبقى هذا البحث مفتوحًا عمدًا، ويتكشّف من خلال العمل الميداني، والتجارب في تركيب الزجاج، وجمع المواد الخام من تربة وأطلال مدينة الخليل. نشأ هذا العمل من فعل جمع شظايا الزجاج، والذكريات الشفهية، وآثار الحرارة، ليتحوّل إلى رحلة أوسع تسعى لإعادة وصل المادة بالمكان وباللمسة الإنسانية. في مرحلته القادمة، سيمتد المشروع إلى خارج فلسطين—من خلال رحلة ميدانية مُخطط لها إلى أجزاء من إفريقيا، بهدف تتبّع المسارات المنسية التي سلكتها خرزات الخليل، وتبادلت وتحوّلت خلالها. هذه الرحلة ما تزال قيد الإعداد، لكنها تُشكّل أفقًا لهذا العمل بقدر ما هي مسعًى. ما يُسعى إليه ليس استعادة حرفة مفقودة، بل إيقاظ العلاقة بين الصُنع، والتذكّر، والانتماء.
السياق التاريخي
تعود صناعة الزجاج في الخليل إلى العصر الروماني، وبلغت ذروتها في العهد العثماني وأواخر القرن التاسع عشر، حين أنتجت الورش المحلية خرزات معروفة باسم "هرش" و"منجر". صُنعت هذه الخرزات من رمال محلية ورماد نباتي، وكانت تُصدّر عبر غزة ومصر، وتُتاجر بها في أنحاء الساحل الإفريقي—حيث عُرفت باسم خرز كانو.
حملت هذه الخرزات قيمة اقتصادية ورمزية: كزينة، وكتمائم، وكعملة. ومن خلالها، كانت الخليل متصلة بجغرافيات واسعة من التبادل—شبكة من الضوء والنار والذاكرة.
المادة والتقنية
اعتمدت الحرفة على تقنيات العمل بالنار، حيث يُشكّل الزجاج حول قضبان معدنية رفيعة، ثم يُترك ليبرد بإيقاع بطيء من النفس والنار. كانت المعرفة تنتقل بهدوء من الأب إلى الابن، محفوظة داخل عائلات مثل النتشه والجقمان، ممن حافظوا على تقاليد الزجاج في المدينة لأجيال.
ومع دخول الزجاج الأوروبي الأرخص في أوائل القرن العشرين، بدأت الورش المحلية بالانقراض تدريجيًا، ولم يتبقَ سوى الشظايا والذكريات الشفوية عن فن كان مزدهرًا.
الدلالة الثقافية
تجاوزت خرزات الخليل جمالها المادي، لتحمل أبعادًا ميتافيزيقية. فقد كانت الخرزات الزرقاء—"العين"—تُعتقد أنها تقي من الحسد وسوء الطالع. وفي إفريقيا، تحوّلت الخرزات نفسها إلى وحدات للتبادل، ولغة للذاكرة.
كان لكل لون جغرافيته، ولكل نمط قصة هجرة. وهكذا، أصبحت الخرزات نقطة التقاء بين الحرفة، والمعتقد، والاقتصاد—جسمًا صغيرًا التقت من خلاله عوالم كاملة.
الراهنية المعاصرة
يهدف المشروع إلى إعادة بناء ليس فقط العملية الفيزيائية للصُنع، بل أيضًا أنظمة المعنى المضمّنة في هذه الممارسة: كيف تتحدث المواد عن الأرض، كيف تُسجل النار الإيماءة، وكيف يمكن لتقنية آخذة في الزوال أن تعلّمنا عن الصمود والانتماء.
من خلال التعاون مع صانعي الزجاج المحليين، والبحث الأرشيفي، وإعادة بناء تقنية التصنيع بالتجربة، يسعى مشروع "خرزات الخليل" إلى تخيّل تراث مفقود كأسلوب حيّ للبحث—يتنقّل بين الفن، والآثار، والذاكرة الجماعية.
بحث مفتوح
يبقى هذا البحث مفتوحًا عمدًا. يتكشّف من خلال العمل الميداني، والحوارات مع الحرفيين، ومحاولات إعادة ابتكار الوصفة المنسية لزجاج الخليل. ما يُسعى إليه ليس تكرارًا مثاليًا، بل شكل من أشكال الاستمرارية—طريقة لإبقاء الحوار حيًا بين ما كان، وما بقي، وما قد يعود.
ومع تطور المشروع، ستُشارك نتائجه من خلال معارض، وورش عمل، وتأملات مكتوبة، بدعوة للآخرين للمشاركة في فعل التذكّر.









